من قصص التنمية البشرية: القائد الناجح يتكلم لغة تابعيه

يحكى أنه وفي إحدى الممالك القديمة، انتشر حب التباهي والتكبر بين نساء المملكة، حتى أصبح ارتداء المجوهرات والحلي أكثر أهمية من الطعام والشراب والتعليم. وتفاقم الوضع حتى غدت النساء اللاتي لا يملكن ما يكفي من الحلي والمجوهرات حبيسات في منازلهن ولا يقابلن النساء الأخريات إلا نادراً. ومضت الأمور على هذه الحال حتى وصل الخبر إلى مسامع الملك، الذي استشاط غضباً مما وصلت إليه أحوال الرعية ورأى في ذلك خطر مدمر على المجتمع ومستقبله، حيث رأى ما من شأنه تفكيك الروابط الاجتماعية وزرع روح الغيرة والحسد وحب الأذى وتمني زوال النعمة عن الآخرين، فقرر الملك التدخل بشكل عاجل لإصلاح الحال بوصفه الملك والقائد الذي يطيعه الجميع. فقام على الفور بإصدار قرار يمنع فيه ارتداء الحلي والمجوهرات، وبالفعل تم تعميم قرار الملك، ولكن ياللدهشة، ولأول مرة في تاريخ المملكة قوبل قرار الملك بالرفض والاستهجان، بل على العكس أصبحت النساء تغالي في ارتداء الحلي أكثر فأكثر.

وهنا غضب الملك غضباً شديداً، ولكنه تروى في اتخاذ أي إجراء معاكس، فهو لا يريد للأمور أن تتفاقم وتخرج عن السيطرة، فقام بدعوة مستشاريه لاجتماع عاجل لتدارك الأمر وإيجاد مخرج مناسب، وفي الاجتماع كان رأي المستشارين هو عدم تحدي إرادة الناس ووجوب سحب القرار السابق، ولكن الملك رفض الأمر ورأى فيه ضعفاً وتهديداً باهتزاز صورته أمام الناس كقائد وملك، وقام بدعوة حكيم المملكة للأخذ برأيه، وبالفعل جاء الحكيم وطلب الملك رأيه بتلك المسألة، فتبسم الحكيم وقال للملك: صحيح أنك الملك وقائد المملكة، ولكنك ارتكبت خطأً عندما أمرت الناس بما تريده أنت وبما يجول في خاطرك من غير أن تعلم ما يجول بخاطرهم من أفكار ورغبات. عذراً يا مولاي القائد الحقيقي عليه أن يتكلم لغة شعبه وبلسانهم، واختيار الكلمات وصياغتها فن نحتاجه في خطابنا القيادي والتربوي، ولذلك أقترح عليك أن لا تسحب قرارك بمنع ارتداء الحلي والمجوهرات، ولكن كل ما عليك فعله هو أن تصدر قراراً جديداً يتضمن استثناءً من القرار السابق للنساء القبيحات والعجائز اللاتي يحتجن لارتداء الزينة التي تخفي قبحهن لتظهرهن على أنهن جميلات.

وبالفعل ما أن أصدر الملك هذا القرار حتى امتنعت كافة النساء في المملكة عن ارتداء الحلي، فجميعهن يرين بأنهن جميلات وشابات ولا حاجة لهن بالزينة، وهكذا وبعد فترة وجيزة اختفت تلك الظاهرة المذمومة من تلك المملكة، وتعلم الملك درساً مفيداً لم ينسه طوال حياته.